![]() |
الوصايا الربانية في سورة الإسراء (1)
الحمد لله خيرِ الراحمين، وأحكمِ الحاكمين، الحمد لله الذي أنزل القرآنَ المبين، على نبيِّنا محمدٍ خاتَمِ النبيين، هدًى للمتقين المتدبرين، وموعظةً وذكرى للمؤمنين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 18 - 21]، أما بعد: فنتفكر معكم ونتدبر الوصايا الربانية في سورة الإسراء، فقد أوصانا الله بوصايا عظيمة في هذه السورة، بدأها بالوصية بعبادة الله وحده والإحسان إلى الوالدين، ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: وصَّى ربك وأوجب ألا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له، لا نعبد غيرَه كائنًا مَن كان، ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18]، لا مَلَكًا ولا نبيًّا ولا وليًّا، ولا تعبُدِ الدنيا وشهواتِها، وتقدمها على عبادة الله وطاعته، ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 43، 44]، ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]. ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23] بعد أن أمرنا الله بعبادته وحده أوصانا بأن نُحسِن إلى الوالدين بجميع أوجه الإحسان من الأقوال والأفعال التي تَسُرُّهما وتُطيِّب قلبيهما، والإحسانُ أعظمُ من البر، فبرُّ الوالدين طاعتُهما فيما يأمرانك من المعروف، أما الإحسان فأن تُحسِن إليهما بالقول الطيب والفعل الحسن من غير أن يأمراك، جالِسهما ولا تبتعدْ عنهما، حدِّثهما واسمعْ منهما، لا سيما إن كبِر سِنُّهما، فهما محتاجان إلى من يؤانسهما، اخدمهما، وأعطهما من مالِك من غير أن يطلبا، وأهْدِ لهما ما يَفرحانِ به من الطعام الطيب واللباس الحسن والهدية النفيسة، كلُّ هذا من الإحسان إليهما في حياتهما، فإن ماتا فأحسِن إليهما بالدعاء والاستغفار وأنواع الصدقات، والإحسانُ إلى الوالدين بعد الموت أنفعُ لهما من الإحسان إليهما في حياتهما، والآخرة خيرٌ وأبقى. ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: إن كبِر سِنُّ والديك، وضعُفت قُواهما، فلا تتأفَّف عند خدمتِهما، وقد يحتاجان إلى إزالة الأذى عنهما، فلا تتضجر، ولا تقل لهما: أف، فقد كانا لا يتضجران من إزالة الأذى عنك وأنت صغير، ولا تزجرهما إن أتعباك، بل اصبر على بِرِّهما، ولا تغلظ لهما القول أبدًا، فبقدر المشقة في بِرِّهما يكون الأجرُ أعظم، ومن كان والداه أشدَّ فظاظةً وأغلظَ طبعًا وأسوأَ أخلاقًا فصبرَ على بِرِّهما ومداراتِهما فأجرُه أكثرُ، وفضلُه أكبرُ. ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23] قل للوالدين قولًا حسنًا ليِّنًا رقيقًا، فيه تأدُّبٌ معهما، وتلَطُّفٌ لهما. ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24] كن لوالديك ذليلًا متواضعًا؛ رحمةً منك بهما، ولا تخالفهما فيما يأمرانك به وينهيانك عنه مما ليس فيه معصية لله، بل بادِر بفعل ما يُريدان منك فعلَه وإن لم يأمراك. ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24]، من صفات الولد الصالح أنه يدعو لوالديه في حياتهما وبعد موتهما، جزاءً لهما على تربيتهما له في صِغرِه، وحالِ ضعفِه؛ ولأنهما سببُ وجودِه، والوالدان لهما حقٌّ عظيمٌ على الولد حتى ولو قصَّرا في تربيته، ولو أساءا إليه وظلماه، فقد أوصى الله بهما مهما كانا، حتى لو كانا كافِرَينِ أو فاسِقَينِ أو ظالِمَين. ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 25]؛ أي: ربُّكم -أيها الناس- أعلم بما في قلوبكم من تعظيمِ حقِّ الوالدين والرحمةِ بهما أو الاستخفافِ بهما، لا يخفى عليه شيءٌ مما في قلوبكم، فاحذروا أن تُضمِروا لهما سوءًا، بل كونوا صادقين في البِرِّ بالوالدين بإخلاص، تريدون بذلك رضا الله، فرضا اللهِ في رضا الوالدين، وسخَطُه في سَخَطِهما، فإن أصلحتم نيَّاتِكم ممتثلين أمر الله بالإحسانِ إلى الوالدين والقيامِ بحقوقهما؛ فإن الله للتائبين إليه من الهفواتِ في حقِّ الوالدين غفور، ومن تاب من التقصير في حق والديه تاب الله عليه، ومَن أصْلحَ وأحسَنَ عفا اللهُ له عما سلف. أيها المسلمون، ثم قال الله تعالى: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ [الإسراء: 26]؛ أي: وأعطِ القريبَ حقَّه من الصلة والعطف والمواساة، وأعطِ المسكينَ حقَّه من الصدقة والإحسان، وأعطِ ابنَ السبيلِ - وهو المسافر المنقطع - حقَّه من الضيافةِ والصدقةِ والإعانة. ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ [الإسراء: 26] بعد أن أمرنا الله بالإحسان إلى الأقارب والمساكين وابن السبيل نهانا عن تبذير الأموال، فكثيرٌ ممن يُقصِّر في الصَّدَقات يبذر أمواله في الشهوات والملهيات، ولا يبالي فيها بدفع الكثير، ويبخل أن يتصَدَّق بالقليل. ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الإسراء: 27]؛ أي: إن المفرِّقين أموالهم في المعاصي والشهوات إخوان الشياطين، فهم مثل الشياطين في التبذير والسفه ومعصية الله، وعدم شكر الله على نعمه، ﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 27]؛ أي: جَحُودًا لِنِعَمِ اللهِ، لا يشكر الله عليها. ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ [الإسراء: 28]؛ أي: وإن تُعرض عن إعطاء الأقارب والمساكين وأبناء السبيل حقوقَهم المالية بسببِ قلةِ مالِك، وأنت تنتظر رزقًا من عند ربك ترجو أن يُيسِّره الله لك، فلا تُغلِظ لهم القول، بل قُل لهم قولًا لينًا لطيفًا؛ كالاعتذارِ الحسن، والدعاءِ لهم بالرزق، والوعدِ الجميل بإعطائهم ومواساتهم حين يُيسِّرُ اللهُ لك رِزقًا. ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]؛ أي: ولا تُمسِك يدك بُخلًا عن النفقة في الخير كلَّ الإمساك وكأنها مقيدةٌ إلى عنقك، ولا تبسط يدك بالإنفاق على نفسِك وأهلِك والصَّدَقاتِ على المحتاجين كل البسط فوق طاقتِك، وتبقى بلا مالٍ فتكون ملومًا عند الله وعند الناس، منقطعًا لا شيء لديك لتنفقه، فأمر الله بالتوسُّط، وخيرُ الأمور أوسطُها، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، والاقتصادُ نصفُ المعيشة. ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 30]؛ أي: إن ربك يوسِّع رزقه على مَنْ يشاء من عباده، ويضيقه على من يشاء منهم، بحسب حكمته سبحانه؛ لأنه خبيرٌ بصيرٌ بعباده وأحوالهم وأخبارهم، فعلى المسلم أن يرضى بما كتب الله له من رزقٍ قليلٍ أو كثير، ولتكن نفقتُه بحسبِ رزقِه بلا إسرافٍ ولا تبذير، ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]. |
بارك الله بك
وفي ادراجك الطيّب المبارك رفع الله به قدرك وكتب لك الأجر والفردوس الأعلى :f09::f09::f09: |
دُمتَ بهذا العطاء المستَمـر..
تـقبل خالص احترامي ولروحك الجميلة اكاليل الورد. |
جزاك الله خيـر
بارك الله في جهودك وأسال الله لك التوفيق دائما وأن يجمعنا على الود والإخاء والمحبة وأن يثبت الله أجرك |
جزاك المولى الجنه.. وكتب الله لك أجر هذه الحروف.. كجبل أحد حسنات.. وجعله المولى شاهداً لك لا عليك..
|
| الساعة الآن 06:36 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.